
المَرضْ كائنٌ غريبْ , لايَكادُ يتَخطى فُروعَه وتشعُباتِه شىء .
يندَسُ بخفُوت حتى لايكادُ يبينْ , ثم يتمدد كأخطبوطِ حتى يستولي
على كُل الممالكْ . أتُراكِ تذكرين يومَ كُنتِ تبكينْ في الغرفة المُجاوره؟
وتظنينَ أن نحيبُك لاتُنقلُه الحيطَان ؟ كان يصلُني وكُنت أرددُ تسبيحاتي
بعددِ كُل انتِحابَه وبجَانبي تسخُر زُجاجاتِ الدَواء وَ وصفاتِ العلاجْ مني
وتمتلىءُ الأرضُ بُغضا تلعَنُ هذا الشيء الجاثمْ مُنذ وقتِ طويلْ .
ورغمْ غلاظةِ الجُدران الإسمنتيه , كُنتُ أسمعك وأبكي . غيرَ أن بُكائي وقتها كانَ
بلا صوتْ وبلادَمعْ .. كنتُ من شدةِ التعبْ تَبكي الرُوحُ مني ويأبى الدمع خيفةً وعَجزا .
المَرضْ صديقُ الموتْ .. يتآمران سويةً وخُفيه .. ثمُ ينفِذانْ بتؤدةٍ أو على عَجلْ .
وكُنتْ بسُقوطي الغريبْ أكرهُ المرضْ وأخشَى الموتْ .. كُنتَ أرى نبض الحياة
وبريقُ عيناي يتوادَعونْ .. ولونُ بشرتي ينسحبْ..وأشعُر بي أنطفِأ أنطَفأ ,
وقلةُ الحيلَه تُجهزُ على مابقي في أوصالي .
"انزِلوني على سُجادتي " وأظلُّ مُسجاةً عليها أُصلي صلاةَ الحَاجَه , وأشعُر
بروحي تُغادرني وتسبحُ للسَماء , كُنتُ أُهامس ربي وأُحسُ به . وأسأله ربِ
كيفَ يكُونُ المرضُ رحمه ؟ وأنتحبُ صمتاً على جسدي الذي باتَ يأبى الطَعامْ
ويَأبى الدَواء وأمصالَ الأطباء . أشعُر بِأخي يمسحُ على جبيني ويقرأ كأعذبِ
مايكونْ ..وأمي تترددُ كالمجنُونه فساعةً تُطلِ في وجهي وساعةُ تُطعمني , وساعةً
تضعُ رأسي في حُجرها وتُمشطُ شعري كما اعتادت أن تُدللني صغيره .
أبي يصطنعُ ابتساماتَ اللامُبالاه وهو يقصُ عليّ ويدُاعب يدايَ ولاأستجيبْ
كـ َ مُومياء صُلبَ في صدرِ مَجلِسِ أرمَله .
وأنتِ تتقرفصينَ بجانبي صامتَه .. ربما تتشوقينَ صوتي وحكايايَ وعبثي .
كُنتُ أتحاشاها عيونكم .. لاأريدُ أن أغرق بحزنكم .. أسهلُ مايكون
أن أستطلع الحقيقه من عينيّ من أمامي , وكنتُ أخافها الحقيقه .
" العين حق " أُمي تشكُ بفتياتِ قاعتي في الجامعَه وأبي يشتمُ الساعةَ التي زُرتُ فيها
طبيبَ الأسنان ويشكُ أن أدواته موبوءه , وأطبائي وماأكثرهم كانَ لكُل واحدٍ منهم رأي .
وكُنتُ بعيده جدا عن الجميع .. يأتُونَ بي ويذهبونَ بي , الحياةُ تشطفُني في مسيرتها
الدؤوب وأنا أذوي بهدُوء والحُزنُ يلف الجميعْ ..,
ثُم ...
ربُما بنجوايَ لله .. أو بنقاء قلبهُما أمي وأبي .. ,
عادت لي الحياة وامتَلأت عُروقي ونبضَ كُلُ مافيني منْ جديد ..,
إن كانتِ الحياةُ تجاربْ فهذه تُجربتي الأطغى , كانَ مرضاً خفيفاً أرانِي الموتْ ,
وربما لخوفي منه بت أخشى أن تقودني أبسطُ الأشياء إليه .. ,
لكني الآن ممتنّه كثيرا للأقدارِ التي درستني بتجربةٍ حقيقيه
هذا القَول الذي لم أكُن لأعبأ به يوماً ( الصِحَه ( تَاجْ ) ) .
أيا حبيبتي ,
أعرفُ كيفَ هُو شعورُ المرضْ , ومذاقُه عالِقٌ
لايُبارحُ ذاكرتي ..
سَأظلُ بجانبكْ , رُبما سأنشجُ في الجِوارْ ,
لكني أكيدَه أن كُل شىء سيبقى ذكرى بيومْ ,
إنها الحياةُ – مبعُوثَةُ الربْ – تُدارسُنا الحقائقْ عمليّا
Deja vu

|